‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل

خواطر 06 الحلقة 30 - منوعات الختام

الإحسان: حقيقته، فضله، طرقه
للشيخ/ عبد المحسن العباد

الإحسان في اللغة:ضد الإساءة, وهو مصدر أحسن إذا أتى بما هو حسن.
وفي الاصطلاح: الإتيان بالمطلوب شرعًا على وجه حسن.

وقد أوضح صلى الله عليه وسلم الإحسان في حديث جبريل عليه السلام المشهور حين سأله عن الإسلام و الإيمان، فأجابه عن كل منهما, وكان جوابه عند ما سأله عن الإحسان أن قال: [أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ]رواه البخاري ومسلم. فقد بيّن صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث معنى الإحسان: وهو أن يفعل الإنسان ما تعبّده الله به كأنه واقف بين يدي الله, وذلك يستلزم تمام الخشية والإنابة إليه سبحانه, ويستلزم الإتيان بالعبادة على وفق الخطة التي رسمها رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد ضمّن صلى الله عليه وسلم جوابه عن الإحسان بيان السبب الحافز على الإحسان لمن لم يبلغ هذه الدرجة العالية, والمنزلة الرفيعة, ألا وهو: تذكير فاعل العبادة بأن الله مطلع عليه, لا يخفى عليه شيء من أفعاله, وسيجازيه على ذلك, إن خيرًا فخير, وإن شرًا فشر, ولا شك أن العاقل إذا تذكر أن الله رقيب عليه أحسن عمله, رغبة فيما عند الله من الثواب للمحسنين, و خوفًا من العقاب الذي أعده للمسيئين :{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[37]}[سورة ق].

فضل الإحسان:

ولمزيد عناية الإسلام بالإحسان وعظيم منزلته؛ نوه سبحانه بفضله, و أخبر في كتابه العزيز أنه يحب المحسنين, وأنه معهم, وكفى بذلك فضلًا وشرفًا, فقال سبحانه:{...وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[195]}[سورة البقرة]. وقال:{ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[148]}[سورة آل عمران]. وقال:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[128]}[سورة النحل]. وقال: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[69]}[سورة العنكبوت].

جزاء المحسنين:

ومن رحمة الله وفضله أن جعل الجزاء من جنس العمل, ومن ذلك أنه جعل ثواب الإحسان إحسانًا كما قال:{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ[60]}[سورة الرحمن]. فمن أحسن عمله؛ أحسن الله جزاءه, وقد أوضح الله سبحانه في كتابه العزيز جزاء المحسنين, وأنه أعظم جزاء و أكمله, فقال تعالى: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ...[26]}[سورة يونس]. وهذه الآية فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه بأن الحسنى: الجنة, والزيادة: النظر إلى وجه الله عز وجل.

ولا يخفى ما بين هذا الجزاء وذلك العمل الذي هو الإحسان من المناسبة؛ فالمحسنون الذين عبدوا الله كأنهم يرونه جزاهم على ذلك العمل النظر إليه عيانًا في الآخرة, وعلى العكس من ذلك الكفار الذين طبعوا على قلوبهم فلم تكن محلًا لخشيته و مراقبته في الدنيا, فعاقبهم الله على ذلك بأن حجبهم عن رؤيته في الآخرة كما قال تعالى: { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[15]}[سورة المطففين].

وكما أنّ جزاء الذين أحسنوا الحسنى؛ فإن عاقبة الذين أساءوا السوأى كما قال تعالى:{ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ[10]}[سورة الروم].

وما ذكره الله في جزاء المحسنين قوله: {...وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ[58]}[سورة البقرة]. وقوله:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا[30]أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا[31]}[سورة الكهف]. وقوله:{ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ[30]جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ[31]}[سورة النحل].

وقوله:{ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى[31]}[سورة النجم]. وقوله:{ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[100]}[سورة التوبة]. وقوله:{ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[112]}[سورة البقرة]. وقوله:{...إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[56]}[سورة الأعراف]. إلى غير ذلك من الآيات .

طرق الإحسان:

 والإحسان مطلوب في العبادات والمعاملات، فأي عبادة افترضها الله على العبد فإن عليه أن يأتي بها على الوجه الذي رضيه سبحانه من إخلاصها له، وموافقتها لشريعة نبيه صلى الله عليه وسلم, وكما أن الإنسان يحب لنفسه أن يعامله غيره معاملة حسنة, فإن عليه أن يحسن إلى غيره, ويعامله بمثل ما يحب أن يعامل به هو, ذلك بسلوك طرق الإحسان التي نتعرض لبعضها فيما يلي على سبيل الاختصار:

 1- الإحسان بالنفع البدني: وذلك بأن يجود ببذل ما يستطيعه من القوة البدنية  في تحصيل المصالح ودفع المفاسد, فيمنع الظالم من الظلم, و يميط الأذى عن الطريق- مثلًا-, وهذه الطريق هي التي عناها صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث المتفق عليه: [كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ].

2- الإحسان بالمال: ومن وسّع الله عليه الرزق, وآتاه المال؛ فإنّ عليه أن يشكر الله على ذلك بصرفه في الطرق التي شرعها, فيقضي الحاجة, ويواسي المنكوب, ويفك الأسير, ويقري الضيف, ويطعم الجائع؛ تحقيقًا لقوله سبحانه:{...وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ...[77]}[سورة القصص].

3- الإحسان بالجاه: وإذا لم يتمكّن المؤمن من قضاء حاجة أخيه وإيصال النفع إليه, فعليه أن يكون عوناً له في سبيل تحصيلها, وذلك بالسعي معه لدى من يستطيع ذلك؛ إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم, وامتثالًا لأمره, فقد شفع صلى الله عليه وسلم لمغيث لدى زوجته بريرة رضي الله عنها, وأمر أصحابه بالشفاعة فقال: [اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا...]رواه البخاري ومسلم.

4- الإحسان بالعلم: وهذه الطريق مع التي تليها أعظم الطرق و أتمها نفعًا؛ لأن هذا الإحسان يؤدي إلى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة, وبه يعبد الله على بصيرة, فمن يسر الله له أسباب تحصيل العلم وظفر بشيء منه؛ كانت مسئوليته عظيمة, ولزمه القيام بما يجب للعلم من تعليم الجاهل، وإرشاد الحيران, وإفتاء السائل, وغير ذلك من المنافع التي تتعدى إلى الغير .

5- الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ولم تكن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير أمة أخرجت للناس إلا بسلوكها تلك الطريق, كما أنّ بني إسرائيل لم يلعن من لعن منهم على لسان أنبيائهم إلا لتخليهم عن ذلك الواجب من عدم اكتراثهم بارتكاب المنكرات, قال الله تعالى في حق هذه الأمة:{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...[110]}[سورة آل عمران].

وقال في حق بني إسرائيل:{ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ...}, ثم بيّن سبب اللعن بقوله: {... ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ[78]كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[79]}[سورة المائدة].

ولا يحصل المطلوب، ويتم النفع إلا إذا كان الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر مؤتمرًا بما يأمر به, ومنتهيًا عما ينهى عنه, وإلا كان أمره ونهيه وبالاً عليه لقول الله تعالى: { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ[3]}[سورة الصف].

والإحسان إلى الناس بأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر لا بد أن يكون عن علم؛ لأن الجاهل قد يأمر بما هو منكر, وقد ينهى عما هو معروف, ولا بد أن يجمع إلى العلم الحكمة, ويصبر على ما أصابه, و من الأدلة على هذه الأمور الثلاثة قوله تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي...[108]}[سورة يوسف]. وقوله: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ...[125]}[سورة النحل]. وقوله: { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ[17]}[سورة لقمان].

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم إنكار المنكر على ثلاث مراتب إن لم تحصل المرتبتان الأوليتان، فلا أقل من الثالثة التي هي أضعف الإيمان, كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حيث قال صلى الله عليه وسلم: [ يَقُولُ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ].



 

خواطر 06 الحلقة 29 - الوضوء بدون جزمة

رسالة إلى رواد المساجد
الدكتور صالح بن علي أبو عرَّاد
أستاذ التربية الإسلامية بكلية المعلمين في أبها
و مدير مركز البحوث التربوية بالكلية

يا رواد بيوت الله في الأرض .
يا من أعد الله لكم نُزلاً في الجنة.
يا من تولون وجوهكم شطر المسجد الحرام في صلواتكم .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
فإن الله سبحانه قد رفع منزلة المساجد في الأرض ، وعظَّمها بأن نسبها إليه سبحانه ، فليست لأحد سواه . قال عز من قائل : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً }
( سورة الجـن : 18 ) . فكان علينا جميعاً أن نُعظِّمها وأن نحترمها وأن نقدسها ، وأن نعرف لها حقها الذي وجدت من أجله ، فلا نساويها بغيرها من البقاع ، ولا نشبهها بسواها من الأماكن ، فهي جزءٌ لا يتجزأ من مجتمعنا المسلم الذي أذن الله أن ترفع فيه ، وأن تكون بقاعاً طاهرة نقية تتنـزل فيها الرحمات ، وتهبط الملائكة ، وتحل السكينة والخشوع .
ولأن للمسلم علاقةٌ حميمةٌ وصلةٌ وثيقةٌ بهذه المساجد في كل وقتٍ وحين ، فقد رأيت أن أوجّه هذه الرسالة لرواد المساجد وعُمَّارها من عباد الله المؤمنين الصادقين ، فأقول مستعيناً بالله وحده :

* إن المساجد بيوت الله في الأرض ، ولا يحل لأحد من الخلق أن يعمل فيها إلا بما أذن الله من قول أو عمل ، فلا يمكن أن تكون المساجد لغير عبادة الله والدعوة إلى سبيله ، وإقامة شعائر الإيمان ، وحفظ كتاب الله العظيم وتلاوته وتجويده ، ومدارسة سنته  صلى الله عليه وسلم  ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ورفع ذكر الله سبحانه في كل حين كما قال تعالى : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ } ( سورة النور : 37 ) . فيا من وصفكم الله بعُمار المساجد احرصوا بارك الله فيكم ـ على عمارتها الحقة ، والعمل على إحياء رسالتها الخالدة ، وإعادة دورها العظيم في حياة الأمة .

* يا من وصفكم الله عز وجل بأنكم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ، تذكروا أن كثرة ارتيادكم لبيوت الله تعني إغاظة أعداء الله وإرهابهم وجعلهم يعيشون في قلق وهم دائمين ، وعلى رأسهم إبليس ـ لعنه الله ـ وجنوده وأعوانه من شياطين الجن والإنس الذين يؤلمهم ويؤرقهم ويزعجهم أن يرتاد المسلمون بيوت الله ، لا سيما الشباب الذين هم عماد الأمة وأملها ورجال مستقبلها .

* يا من تُحافظون على الصلوات الخمس جماعةً في المسجد ، اعلموا ـ بارك الله فيكم ـ أن أداء الصلاة جماعة في المساجد من أفضل الأعمال التي حثت عليها سنة نبينا محمدٍ  صلى الله عليه وسلم  ورغبت فيها كثيراً ؛ فعن ابن عمر ( رضي الله عنهما ) عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال : "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين "( رواه مسلم ، الحديث رقم 1478 ، ص 262 ) . واعلم أن أداء الصلاة في المساجد لا يُعطل مسيرة الحياة ، ولا يعوق النشاط الدنيوي للمسلم ، ولا يؤخره عن أعماله وارتباطاته ، لأن الصلوات - في حقيقة الأمر - ليست سوى محطاتٍ إيمانيةٍ يتزود فيها المسلم بالطاقة الروحية اللازمة للسعي في الحياة ، تلك الطاقة الإيمانية التي تصله بربه جل وعلا ، وتجدد نشاطه باستمرار ، وتدفعه إلى الأمام ، وتعينه على التحمل والمثابرة والمصابرة في مشوار حياته . كما أن لأداء الصلاة في المساجد معاني عظيمة وآثاراً طيبة في تربية أبناء المجتمع المسلم ونهيهم عن فاحش القول ومنكر العمل تصديقاً لقوله سبحانه : { إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَـى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْـرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَـعُونَ } ( سورة العنكبوت : من الآية 45 ) .
وليس هذا فحسب فإن للصلاة دوراً مهماً في بناء شخصية المسلم وتحديد معالمها ، فهي كفيلةٌ ـ إن شاء الله ـ بصقل نفس المؤمن وإرهاف حسه وترقيق وجدانه ، وربطه بخالقه العظيم جل وعلا ، لما فيها من صلة بالله سبحانه ، ومناجاة له وخشوع وخضوع يجعل المصلي متمثلاً لعظمة الله وقدرته سبحانه . ولذلك روي عن أنس  رضي الله عنه  أن  صلى الله عليه وسلم  قال : " وجُعل قرة عيني في الصلاة "
( رواه النسائي برقم 3939 ، مج 7 ، ص 61 ) . وهذا فيه تأكيدٌ على أن في الصلاة راحة نفسية للمسلم متى أداها بخشوعٍ وخضوع ، وأنها تؤدي إلى السكينة و الطمأنينة وهدوء البال , وهو ما يشعر به المؤمن بعد أدائه الصلاة أداءً صحيحاً يربطه بخالقه العظيم ارتباط إيمانٍ واستسلامٍ وتعبد .

* يا رواد المساجد في المجتمع المسلم ، اعلموا أن المساجد ليست أماكن لأداء الصلاة فقط ، ولكنها مراكز للتعليم والتوجيه , ومؤسسات للتربية والتنشئة , ومعاهد للفقه الشرعي , والبحث العلمي عن طريق ما يعقد فيها من دروس ومحاضرات وندوات , وما يلقى على منابرها من خطب ومواعظ ونصائح في مختلف جوانب الحياة الفردية والجماعية . واعلموا ـ بارك الله فيكم ـ أنه ما لم تكن تلك وظيفة المساجد ورسالتها الخالدة ومهمتها العظمى فإنها ستظل معطلة ، ولن تؤتي ثمارها الطيبة المباركة التي وجدت من أجلها . يقول أحد دعاة الإسلام : " من أراد أن ينظر وأن يتعرف على حقيقة مدينة من المدن ، أو قرية من القرى ، فلينظر إلى مساجدها ، ولير ما مقدار اهتمام الناس بهذه المساجد ؟ وما هي علاقتهم بها ؟ حينها يحكم على هذا الجيل أو هذه الطائفة من الناس ومدى رقيهم الحضاري الإسلامي " . من هنا كانت المساجد في تاريخنا الإسلامي المجيد قلاعاً للإيمان ، وحصوناً للفضيلة ، وبيوتاً للأتقياء ، وينابيع للصلاح ، وموارد للخير ، ومجامع الأمة ، ومواضع الأئمة .

* يا عباد الله الصادقين ، حافظوا على تحية المسجد التي تميزه عن غيره من الأماكن و البقاع . فهي تختلف عن غيرها من أنواع التحايا المتبادلة عند الدخول إلى المنازل أو المكاتب أو نحوها من المرافق والأماكن بأنها تحية مميزة لمكان مميز وبقعة طاهرة فكان لابد لها من أداء خاص يليق بمنزلتها عند المسلم ، ولذلك فقد روي عن أبي قتادة  رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : " إذا دخل أحدُكم المسجد فلا يجلس حتَّى يُصلي ركعتين " ( رواه البخاري ، الحديث رقم 1163 ، ص 186 ) . وليس هذا فحسب ، بل لقد حرص الرسول  صلى الله عليه وسلم  على أدائها ، وأمر بذلك حتى في أثناء أداء خطبة الجمعة حيث روي عن جابر بن عبد الله ( رضي الله عنهما ) قال : جاء سُليك الغطفاني يوم الجمعة ، ورسول الله  صلى الله عليه وسلم  يخْطُب ، فجلس ، فقال له : " يا سُليك ! قم فاركع ركعتين ، وتجوَّز فيهما " ، ثم قال : " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطُب فليركع ركعتين ، وليتجوز فيهما " ( رواه مسلم ، الحديث رقم 2024 ، ص 350 ) . فكم هو عظيم وجليل وجميل أن يفتتح المسلم دخوله إلى بيت من بيوت الله في الأرض بركعتين يُعلِنُ بهما السمع والطاعة ، والخشوع والخضوع لله جل وعلا !! إضافةً إلى أن في هاتين الركعتين قطعاَ للحديث بين المصلين ، وانتظاراً للصلاة في خشوعٍ ووقارٍ وسكينة .

* يا عمار بيوت الله في الأرض ، إن لهذه البيوت منزلة رفيعة ، ومكانةً عاليةً في النفوس ، ولذلك فهي تختلف عن غيرها من الأماكن التي يرتادها الناس في حياتهم اليومية بمالها من آداب فاضلة وسلوكيات مثالية كالاستعداد لدخولها بالطهارة ، ومراعاة آداب الدخول إليها والخروج منها والخشوع والسكينة أثناء المكوث فيها ، وعدم رفع الصوت فيها أو الانشغال بأمور الدنيا بين جنباتها ، فعن أبي هريرة  رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : " إذا رأيتم من يبيعُ أو يبتاعُ في المسجد ، فقولوا : لا أربح الله تجارتك ، وإذا رأيتم من ينشُد فيه ضالةً ، فقولوا : لا رد الله عليك " ( رواه الترمذي ، الحديث رقم 1321 ، ص 312 ) . وهذا يعني صرف الوقت داخل المسجد لشؤون الدنيا أو لتعطيلها عن ذكر الله سبحانه. كما أن من آدابها العظيمة المشي إليها بتؤدة وخشوع وطمأنينة دونما جري أو تعجيل ، والتبكير في الحضور إليها ، وعدم تخطي الرقاب أو اختراق الصفوف لا سيماَ في صلاة الجمعة لما ورد في ذلك من النهي على لسان معلم الناس الخير  صلى الله عليه وسلم  .

* يا من تخافون يوماَ تتقلب فيه الأبصار ، احرصوا على تسوية الصفوف عند إقامة الصلاة استعداداً للوقوف بين يدي الله عز وجل . فإن وقوفكم خلف الإمام بشكلٍ مستوٍ ومنتظم وعلى هيئة صفوفٍ متراصةٍ يربي المسلم على حب النظام والترتيب ، ويربي النفوس على إزالة الملامح الطبقية والسمات الإقليمية ، كما أن في ذلك غرساً لمبدأ المساواة والعدل في النفس البشرية ، وإشارة إلى بنيان الأُمة المسلمة المرصوص . لما روي عن أنس بن مالك  رضي الله عنه  قال : أُقيمت الصلاة فأقبل علينا رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم  بوجهه فقال : " أقيموا صفوفكم وتراصوا " ( رواه البخاري ، الحديث رقم 719 ، ص 117 ) . وجاء في حديث آخر عن أنس ابن مالك قال : قال  صلى الله عليه وسلم  : " سوُّوا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة "( رواه مسلم ، الحديث رقم 975 ، ص 184 ) .

* يا رجالاً تُحبون أن تتطهروا ،حافظوا على نظافة المساجد وجمال مظهرها بحرصكم على إزالة ما قد يلوثها أو يشوه جمالها أو يُخل بطهارتها . ولذلك وجب علينا جميعاً الاهتمام الدائم والمستمر بنظافة المساجد لأنها شعار الإسلام ، ومراكز تجمع المسلمين والتقائهم خمس مراتٍ في اليوم والليلة ، وهي أطهر بقعةٍ وأقدس مكان يمكن أن تتم فيه تربية الإنسان المسلم وتنشئته ليكون فرداً صالحاً بإذن الله تعالى ؛ فكان لا بُد من الاهتمام بنظافتها وترتيبها ، وتعهدها بالطيب والبخور ونحوه لتكون لائقةً لاستقبال المصلين وأدائهم لعبادتهم بنفسٍ طيبةٍ وروحٍ مُنشرحة ؛ فعن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قالت : " أمر رسول الله بِبِنَاء المساجد في الدور ، وأن تُنظَّفَ و تُطيَّب " ( رواه أبو داود ، الحديث رقم 455 ، ص 77 ) . ويقول أحد دعاة الإسلام : " لقد حث عليه السلام على تطييبها [ أي المساجد ] بالروائح الطيبة ، وجعل هذه المهمة لكل مسلم حتى لا ينفرد بهذا الشرف الكبير وحده ، وحتى تتاح الفرصة للجميع فيُشاركون في تنظيف المساجد وتطييبها وتجهيزها للمصلين ".

* يا رواد بيوت الله احرصوا على تطييبها وتنـزيهها من الروائح الكريهة والقمامات والقاذورات حتى فيما حولها من مساحات لئلا يتأذى بها الملائكة الكرام الذين يشهدون المساجد مع المصلين ، ولئلا تكون تلك الروائح مدعاة لإيذاء بقية المصلين الذين يتأذون من رائحة الثوم والبصل والكُرَّاث ، وغيرها من الأطعمة والمأكولات ذات الروائح النافذة و المؤذية ، إضافة إلى رائحة الدخان والشيشة ونحوهما من الروائح الخبيثة المنتنة ، لا سيما وقت أداء الصلاة في بيتٍ من بيوت الله تعالى . فعن ابن عمر ( رضي الله عنهما ) أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال في غزوة خيبـر : " من أكل من هذه الشجرة – يعني الثوم – فلا يقربنَّ مسجدنا "( رواه البخاري ، الحديث رقم 853 ، ص 138 ) . وعن جابرٍ قال : نهى رسول الله عن أكل البصل والكُرَّاث ، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها . فقال : " من أكل من هذه الشجرة المُنتنة فلا يقربن مسجدنا ؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الأِنس " ( رواه مسلم ، الحديث رقم 1252 ، ص 227 ) . من هنا فإن على كل مسلمٍ أن يهتم بنظافة المساجد وتطييبها وإزالة الأذى منها حتى تشتاق إليها الأرواح ، وترتاح إليها الأنفس .

* يا من تنتظرون الصلاة بعد الصلاة هنيئاً لكم بذلك ؛ فقد حث الإسلام على إطالة الجلوس في بيوت الله تعالى ، والمكوث فيها إن لم يكن للمسلم حاجة تدعو إلى قضائها خارج المسجد ؛لما في ذلك من الخير الكثير والفضل العظيم ، ولذلك جاء في الحديث عن أبي هريرة  رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : "لا يزال العبد في صلاةٍ ما كان في مُصلاه ينتظر الصلاة ، وتقول الملائكة : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه حتى ينصرف أو يُحْدِثَ " ( رواه مسلم ، الحديث رقم 1509 ، ص 268 ) . كما جاء في الحديث عن أبي هريرة  رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : " ألا أدُلُّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات ؟ " قالوا : بلى . يا رسول الله ! قال : " إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباطُ " ( رواه مسلم ، الحديث رقم 587 ، ص 123 ) . فهنيئاً لعُمار المساجد الذين يُطيلون البقاء فيها لذكر الله تعالى ، وأداء الفرائض والنوافل ، وتلاوة القرآن الكريم ، ومُدارسة العلوم الشرعية والتفقه في أمور الدين والدنيا ، وحضور حلقات الدرس ومجالس العلم .

* يا عباد الله الراكعين الساجدين العاكفين ، احذروا من كيد أعداء الله وأعداء الإسلام الذين هم أعداء المساجد ومن فيها من الركع السجود ، ولا تنسوا أن الله تعالى قد حذَّرنا منهم وسجل لنا التاريخ أنهم لا يتوانون عن الكيد للإسلام والمسلمين ، ومحاولة الصد عن دين الله بكل الوسائل المتاحة لهم . وخير مثالٍ على ذلك الكيد الخبيث زعمهم أن المساجد ليست سوى دورٍ للعبادة ، ومكانٍ لأداء الصلاة وتلاوة القرآن الكريم قبيل أداء الفريضة فقط . وأنها أصبحت غير مناسبة لتقديم الوظائف التي كانت تقوم بها في زمن النبوة وعهد السلف الصالح . فإن هذه دعوى باطلة ، وفريةٌ عظيمة لا أساس لها من الصحة ، وعلينا جميعاً أن نُعيد للمسجد رسالته السامية ودوره العظيم في بناء شخصية الإنسان المسلم ، وتربيته التربية الإسلامية المثالية الصالحة لكل زمانٍ ومكان .

* يا من تُجيبون دعوة الله تعالى ؛ إياكم واصطحاب الأطفال الصغار الذين هم دون سن التمييز إلى بيوت الله لما في ذلك من إزعاجٍ للمصلين وقطعٍ لخشوع الخاشعين بالمرور بين أيديهم والإخلال بتنظيم صفوفهم .وليس هذا فحسب بل ربما وصل الأمر ببعض الأطفال إلى تلويث المسجد في بعض الأحيان . أما أولئك الأطفال الذين يُرجى من اصطحابهم تدريبهم على ارتياد المساجد وتعويدهم أداء الصلاة ، وغرس حب المساجد في نفوسهم فلا بأس – إن شاء الله تعالى – من اصطحابهم مع مراعاة عدم الغفلة عنهم ، ومحاولة التحكم في تصرفاتهم ، وحثهم على احترام هذه المساجد والالتزام بآدابها والتحلي بأخلاقها .

* يا من تُحبون بيوت الله تعالى وتحترمونها لا تنسوا أن من علامات احترام هذه البيوت المحافظة على المظهر الحسن عند ارتيادها والدخول إليها عملاً بقوله تعالى : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } ( سورة الأعراف : من الآية 31 ) . ومعنى ذلك أن يلبس المصلي لباساً لائقاً بالمساجد من حيث النظافة والستر والأناقة والهندام ، والحشمة والوقار . و الحذر الحذر من ارتيادها بملابس غير لائقة كأن يأتي الإنسان إلى المسجد بثياب النوم أو بملابس العمل المتسخة أو التي تفوح منها الروائح المؤذية أو نحوها لأن في ذلك عدم احترام لقدسية هذا المكان ، ثم لأنها قد تؤذي برائحتها من في المسجد من الملائكة والمصلين . وقد سبق معنا قوله  صلى الله عليه وسلم  : " من أكل من هذه الشجرة المُنتنة فلا يقربن مسجدنا ؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الأِنس " ( رواه مسلم ، الحديث رقم 1252 ، ص 227 ) .

* يا من أديتم الفريضة في المساجد ، إياكم والتفريط في الأذكار التي حثت السنة النبوية على الإتيان بها بعد أداء الفريضة ، ولا يستعجل أحدكم في مغادرة المسجد حتى يذكر الله تعالى بما ثبت وصح عن معلم الناس الخير  صلى الله عليه وسلم  من أذكارٍ جامعةٍ مانعة ؛ فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أنه قال : " من سبَّح الله في دبر كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين ، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين ، وكبَّر الله ثلاثاً وثلاثين ، فتلك تسعةٌ وتسعون ، وقال تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير ، غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر " ( رواه مسلم ، الحديث رقم 1352 ، ص 242 ) . وقد روي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال : " إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  " ، وقال ابن عباسٍ : " كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته " . ( رواه البخاري ، الحديث رقم 841 ، ص 136 ) .

** وختاماً ، أسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق والسداد ، والهداية والرشاد ، ومرضاة رب العباد ، وأن يجعلنا جميعاً ممن يعمرون بيوت الله في الأرض قولاً وعملاً ، وسراً وعلناً ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .   




خواطر 06 الحلقة 28 - السياق

نشأة الحضارة الإسلامية و تطورها 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هديه إلى يوم الدين .. وبعد ..
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن ماهية الحضارة الإسلامية ، وقلنا : إنها تتسع لتشمل سائر الأنشطة العملية والعلمية والفكرية والسلوكية التي قام بها المسلمون ؛ تطبيقا لتعاليم الإسلام التي أوحى بها الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، واليوم بمشيئة الله سبحانه وتعالى نتحدث عن نشأتها وتطورها ، فنقول : إن الحضارة الإسلامية نشأت مع بِدء بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث نزل قول الله سبحانه وتعالى : " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي ، عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق : 1 - 5] وكانت بدايتها بتوجيه منه عز وجل ..
 ومع إن الحضارات السابقة كانت تبدأ أولا بالمهن والحرف المختلفة ، أي بتوجه مادي صرف ، فتنشأ مثلا الزراعة ، ثم يحتاج الإنسان للتصرف في منتجات تلك الزراعة ، فيصنع منها أشياء جديدة ، كالخبز والزيوت والعصائر والسكر والمعاجين ( أي المربات ) والملابس القطنية والكتانية ، وغير ذلك مما نعرفه من الصناعات الزراعية ، ثم يجد الوفرة في إنتاجه الزراعي والصناعي فيتبادله مع الآخرين عن طريق التجارة ..
أقول : كانت تنشأ الحضارات ماديا هكذا ، ثم تنتقل إلى الجانب العلمي والروحي الذي ينظم مسارها ، إلا أن الحضارة الإسلامية بدأت بالجانب العلمي والروحي أو المعنوي أولا لتنتقل منه إلى الجانب المادي ..
كما أن العلم الذي نشأت عليه الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد علم ظني ، وإنما هو علم يقيني ، مصدره الله سبحانه وتعالى وبوحي منه ، وبدأ بعرض ملخص لحياة الإنسان وتجاربه منذ نشأته ليكون أساسا يُبنى عليه .
حيث كان الوحي ينزل بتتابع على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليصنع الإنسان المسلم الكامل في عقيدته وأخلاقه ؛ ليكون نموذجا للإنسان الذي سيصنع تلك الحضارة ، فبدأ بتزكيته وتطهيره من الأدناس المادية والمعنوية ، فقال سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي سيكون أسوة لكل مسلم : " وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر : 4 5] ..
وبعد طهارة الإنسان من دنسه وهجره للأوثان والأصنام انتقل به إلى توحيد الله سبحانه وتعالى ، والتخلص من أي معبودات أخرى ، سواء أكانت في صورة آلهة صماء أو بشر متألهين ، وكان شعار النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي رفعه للناس : " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " ..
وبعد استقامة من اتبعوه على التوحيد أمرهم صلى الله عليه وسلم بالاتجاه إلى الله بالصلاة لتزداد صلتهم به ، ويتدربوا على عدم الخضوع لغيره من المخلوقات ما دام ركوعهم وسجودهم له وحده دون سواه ، وفي تلك الصلاة أيضا تعلموا النظافة التي هي أساس الحضارة من خلال ملازمتهم للوضوء عند كل صلاة ، وتعلموا النظام التام من خلال وقوفهم صفوفا متراصة خلف الإمام في كل صلاة ، يأتمون به في قيامهم وركوعهم وسجودهم ، هذا النظام الذي انتقل من الصلاة ليلازمهم في كل شئون الحياة ، حتى وقت القتال ، حيث أمرهم الله سبحانه وتعالى به فقال : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف : 4]..
 ثم جاءت المرحلة الرابعة وهي تهذيب أخلاقهم وطبائعهم وتحليتهم بالأخلاق الحميدة التي هي شعار الإنسان المتحضر بحق ، حيث كان النبي محمد صلى الله عليهم وسلم يلتقي بهم بين الحين والحين ، فيرغبهم في مكارم الأخلاق، و بلغ من كثرة حثه عليها أن جعلها غاية رسالة الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم: " إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ " سنن البيهقى .
وانتقل بهم إلى المرحلة الخامسة ، وهي العمل على نشر التكافل والترابط بين أفراد المجتمع المسلم ، حيث كان يعلمهم أن : « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى » صحيح مسلم ..
ثم غرس فيهم عاطفة الحب بينهم ، وعلمهم أن ذلك مما يحقق الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم : " لن تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على ما تحابوا عليه قالوا : بلى يا رسول الله قال : أفشوا السلام بينكم " .
وبعد الهجرة إلى المدينة انتقل النبي صلى الله عليه وسلم من مرحلة بناء الفرد إلى مرحلة بناء المجتمع الذي سينشئ الحضارة الإسلامية ، لأن الحضارة كما قلنا من قبل لا تنشأ إلا من خلال المجتمع المستقر ، فوضع بتوجيه من وحي الله سبحانه وتعالى ( القرآن الكريم ) الدستور الذي ينظم علاقة المسلمين بعضهم ببعض وعلاقتهم بغيرهم ، ثم وضع الدستور الذي يجعل من المجتمع المدني المتعدد الأعراق { حيث كان فيه المسلمون الأنصار ( الأوس والخزرج ) والمسلمون المهاجرون من مكة والمسلمون المهاجرون من القبائل العربية الأخرى واليهود بطوائفهم المختلفة ومشركو المدينة والمنافقون } وصارت المدينة المنورة بذلك مثالا يحتذى لكل مجتمع متعدد الأعراق والديانات ويطمح في الانسجام والوئام .
وبعد ذلك بدأ صلى الله عليه وسلم مع تتابع نزول القرآن الكريم عليه في وضع قواعد السلم والعرب والبيع والشراء والتبادلات والتعاملات المالية ..
وبعد الفراغ من بناء المجتمع المدني وظف هذا المجتمع في إنشاء الحضارة الإسلامية ، فأقيمت الكتاتيب لتعليم القراءة والكتابة ومبادئ الحرف والمهن المختلفة ، والحلقات لتعليم العلم ..
ثم بدأ صلى الله عليه وسلم بالاهتمام بالجانب المادي من الحضارة ، فحث على الزراعة عماد الإنتاج فقال صلى الله عليه وسلم : « مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَزْرَعُ زَرْعاً أَوْ يَغْرِسُ غَرْساً فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ » مسند أحمد ..
وطالب المسلمين بالاعتناء بها وعدم إهمالها مهما كانت الظروف ، فقال صلى الله عليه وسلم : " " إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها" صحيح الأدب المفرد..
ولكي لا تكون دعوته مجرد كلام نظري باشر بنفسه العمل بالزراعة رغم كثرة أشغاله ، يقول سلمان الفارسي رضي الله عنه : كاتبت أهلي ( من كان يعمل أجيرا أو عبدا لديهم )على أن أغرس لهم خمسمائة فسيلة فإذا علقت فأنا حر ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : « اغرس واشترط لهم ، فإذا أردت أن تغرس فآذني » فجاء فجعل يغرس إلا واحدة غرستها بيدي .. " المستدرك على الصحيحين للحاكم - (6 / 488)..
ثم انتقل بعد ذلك إلى الحث على الطور الثاني من طور الحضارة المادية ، وهو الصناعة وإتقان كل مسلم لحرفته فقال : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" مسند أبي يعلى - (7 / 349) وجاء في الأثر : " إن الله تعالى يحب الصانع المتقن في صناعته" .
وقد حث صلى الله عليه وسلم المسلمين على الاستفادة من خبرة الآخرين في هذا المجال ، فقد سبي يوم خيبر ثلاثون قينا ، وكانوا صناعاً وحدادين ، فقال صلى الله عليه وسلم : اتركوهم بين المسلمين ، ينتفعون بصناعتهم ، ويتقوون بها على جهاد عدوهم ، فتركوا لذلك ، فمن تعلم عليهم سمي صانعاً أو معلماً..
ونبه صلى الله عليه وسلم إلى استخدام الصناعات الوطنية دون غيرها تشجيعاً لها ، فقد قال علي رضي الله عنه : " كانت بيد رسول الله قوس عربية ، فرأى رجلاً بيده قوس فارسية فقال : ما هذه ؟! ألقها وعليكم بهذه وأشباهها ورماح القنا ، فإنها يزيد الله لكم بها في الدين ويمكن لكم في البلاد" سنن ابن ماجة ..
ولما كانت الحضارة المادية ـ كما أشار ابن خلدون من قبل ـ غالبا ما تتسبب في فساد الجانب الروحي لدى الإنسان وتصيبه بالترهل لذلك وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم ضاعف من الاهتمام به بعد الهجرة للمدينة وقيام دولته ، وزاد عليه بوحي من الله سبحانه وتعالى أخلاقا تسمو بها ، وتجعله مثالا للإنسان المتحضر المرهف الإحساس مثل : العفة والحياء وغض البصر والاستئذان عند دخول البيوت والمنازل وغض البصر والسماحة واللين والرحمة والعفو عند المقدرة وبر الوالدين وتقدير كبار السن والعطف على الصغار والرحمة بالحيوان وإعطاء النفس حظها من الترويح المباح واللهو التريض والتجمل والتزين والتعطر وغض الصوت ، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب السيرة العهد المدني ، مما يؤكد أن مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم بلغ درجة الكمال في الجانب الروحي أو المعنوي من الحضارة ؛ حتى صار المجتمع المسلم نموذجا مثاليا في الرقي الحضاري في هذا الجانب .

ماهية الحضارة الإسلامية   
الحضارة في اللغة مشتقة من الفعل حضر ، وهي ضد البداوة ، وقد جاء في كتاب "الصحاح في اللغة " الحَضَرُ خلاف البَدْو ، والحاضِرُ خلاف البادي ، والحاضِرةٌ خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف، ويقال: فلانٌ من أهل الحاضِرَةِ ، وفلان من أهل البادية، وفلان حَضَريٌّ وفلان بدويٌّ ، والحاضِرُ: الحيُّ العظيم ، وفي كتاب " القاموس المحيط " الحَضَرُ والحَضْرَةُ والحاضِرَةُ والحِضارَةُ أو الحَضارة خِلاَفُ البادِيَةِ ، والحَضارَةُ الإقامَةُ في الحَضَرِ ، وفي كتاب " لسان العرب " الحاضِرَةُ سميت بذلك لأَن أَهلها حَضَرُوا الأَمصارَ ومَساكِنَ الديار التي يكون لهم بها قَرارٌ..
ويفهم من هذا أن كلمة الحضارة كانت معروفة عند العرب منذ القدم ، ولكنهم كانوا يقصرون إطلاقها على تمصير البلاد وتعميرها ، حتى جاء العلامة ابن خلدون وتوسع في معناها ، حيث قال : الحضارة هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله.
ولذلك فهي تختلف من بلد لآخر حسب تفنن الناس في تلك الأمور ، يقول ابن خلدون : وذلك يدل على أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة ، وأنها أصل لها.. ، ثم إن كل واحد من البدو والحضر متفاوت الأحوال من جنسه ؛ فرب حي أعظم من حي، وقبيلة أعظم من قبيلة، ومِصر أوسع من مصر، ومدينة أكثر عمراناً من مدينة ، فقد تبين أن وجود البدو متقدم على وجود المدن والأمصار وأصل لها، بما أن وجود المدن والأمصار من عوائد الترف والدعة التي هي متأخرة عن عوائد الضرورة المعاشية.
ومن العجب أن ابن خلدون قد ذكر منذ وقت مبكر أن توسع الناس في الحضارة بهذا المفهوم المادي الذي ذكره رغم أنه يؤدي إلى رفاهيتهم إلا أنه مفسد لهم فقال : ولما تناقص الدين في الناس ، وأخذوا بالأحكام ( القوانين ) الوازعة، ثم صار الشرع علماً وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب ، ورجع الناس إلى الحضارة ، وخلق الانقياد إلى الأحكام نقصت بذلك سورة البأس فيهم.
 وفي العصر الحديث توسع العلماء في تعريف الحضارة لتشمل كل أنواع النشاط الإنساني بمختلف صوره المادية والمعنوية ، وما وصلت إليه الأمم في نواحي نشاطها الفكري والعقلي.
فالمزارع وما يُشق لها من ترع وأنهار ، وما يقام عليها من سدود ومساقي ، وما ينتج فيها من زروع وثمار ، وما يبتكر لها من نظم في الري والبذر والحصاد ، والمصانع وما تنتجه من سائر المصنوعات ، وما يخترع لها من مكينات ومعدات ، وما يوضع في فنونها من مصنفات ، والمتاجر وما يسن لها من نظم التعامل والتبادل ، والمدارس والمعاهد والجامعات وما يدرس فيها ، والمساجد والمعابد والمستشفيات والمتنزهات والحدائق والطرق والأرصفة والبيوتات ، وما يتم فيها من أنشطة هي جزء من الحضارة ، فضلا عن العلوم والفنون والنظم والقوانين التي تسير وتنظم وتُحكم أمور العباد .
وأي مجتمع يقوم بتلك الأمور أو بعضها يسمى مجتمعا حضاريا ، وتنسب إليه تلك الحضارة، فيقال : مثلا : الحضارة المصرية القديمة ، ويقصد بها الأنشطة والأفعال والابتكارات والأنظمة التي وضعها المصريون القدماء ، ويقال : الحضارة الفينيقية ، ويقصد بها ما أُثر عن الشعب الفينيقي القديم ، ويقال : الحضارة اليونانية ، ويقصد به تراث اليونانيين ، وهكذا .. وتعظم تلك الحضارات أو تحقر بحسب ما تقدمه من نفع للبشرية ، فهذا هو المقياس الوحيد لتقييمها .
فمنها الحضارات المتواضعة ، ومنها الحضارات الجليلة العظيمة ، ومنها الحضارات المؤقتة المحلية ـ أي المرتبطة بزمان ومكان معين ، فلا تصلح لزمان ومكان غيره ، ومنها الحضارات العالمية التي تفيد الناس في كل زمان ومكان ، ومنها الحضارات النافعة ، ومنها الحضارات الضارة ، التي لا تجلب للبشرية إلا الدمار والهلاك ، والتعاسة والشقاء .
ومنها الحضارات المادية البحتة التي تهتم بالجانب المادي أو الجسماني في الإنسان ، فلا تشبع إلا ملذاته وشهواته ، ومنها الحضارات الروحية التي لا تنشغل إلا بالجانب الروحي فقط ، ومنها الحضارات التي تهتم بالجانب المادي والروحي على السواء .
وبناء على التعريف السابق يمكن أن نعرف الحضارة الإسلامية بأنها كل الأنشطة المادية والمعنوية التي قام به المسلمون ، وما أثر عنهم من تراث فكري وعلمي وعقدي .
فعقيدة الواحدنية الصحيحة التي غرسها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في قلوب المؤمنين يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية ، والعبادة التي شرعها الله سبحانه وتعالى للمسلمين ، ووضحها لنا النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية ، والأخلاق التي تخلق بها النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إليها يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية ، والقيم السامية التي حث عليها صلى الله عليه وسلم يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية ، والنظافة والنظام واحترام الكبير والعطف على الصغير يمكن أن يعد كل ذلك جزءا من الحضارة الإسلامية ..
ودعوته صلى الله عليه وسلم لنشر الحب والسماحة والمودة والرحمة بين الناس يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية, ووصيته ببر الوالدين وصلة الأرحام , وإطعام الفقراء والمساكين واليتامى وكسوتهم يمكن أن يعد جزءا من الحضارة الإسلامية, ومساعدة المحتاجين, والإحسان إلى الجيران يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية, ودعوته صلى الله عليه وسلم إلى حسن المعاشرة بين الأزواج يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية.
وكذلك دعوته صلى الله عليه وسلم إلى نظافة البدن والملابس والبيوت والطرق , والمحافظة على الصحة والتجمل والتزين ، يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية..
ودعوته صلى الله عليه وسلم إلى إتقان العمل يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية ، ومناداته بنصرة المظلومين يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية, ودعوته إلى تحرير العبيد واحترام آدمية الإنسان الذي كرمه الله على سائر المخلوقات وخلقه بيديه يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية..
 وحثه صلى الله عليه وسلم على الرفق بالحيوان ورحمته يمكن أن يعد جزءا من الحضارة الإسلامية, وحضه على الحافظة على الطبيعة التي وهبها الله لنا يمكن أن يعد جزءا من الحضارة الإسلامية.
بل إن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاعتداء وسفك الدماء إلا بالحق , وعن الوقوع في الفواحش وسائر المنكرات, وعن الكذب والخيانة والغدر والغش وقول الزور وأكل الميتة , وعن أكل أموال الناس بالباطل , وعن أخذ الرشوة يمكن أن تعد جزءا من الحضارة الإسلامية..
وتحذيره من الظلم والتجبر والإفساد في الأرض , ومن نقص الكيل والميزان في البيع والشراء , وعن التعصب للجنس أو اللون , وعن قتل الحيوانات لغير الحاجة أو إيذائها , وعن قطع الأشجار النافعة إلا لضرورة الناس يمكن أن يعد جزءا من الحضارة الإسلامية.
وذلك لأن تلك الأمور كلها من لوازم المجتمع العمراني المثالي الذي لا تقوم الحضارة ألا به .
وما قدمه المسلمون من نظم وتشريعات وقوانين ودساتير للبشرية يعد جزءا من الحضارة الإسلامية ..
وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وسَن حق الرعية في اختيار من يحكمها ويترأسها ومراقبته ومحاسبته ، وإلزامه بأن يستشيرهم فيما يقوم به ، وما يقدم عليه من أعمال هامة تهم الدولة الإسلامية ؛ مما كان سببا في نضج البشرية ، يعد جزءا من الحضارة الإسلامية.
ونظم القضاء الفريدة التي تكفل للقاضي الاستقلالية الكاملة ، وتجبره على أن يسوي بين الخصمين ـ عند التحاكم ـ في كل شيء ، حتى في نظراته إليهما ، ولو كان أحدهما أمير المؤمنين نفسه ، تعد جزءا من الحضارة الإسلامية .
ونظم المدارس والمحاكم والمستشفيات التي ابتكرها المسلمون تعد جزءا من الحضارة الإسلامية .
والمكتبات العامة ونظم الجامعات التي أسسوها تعد جزءا من الحضارة الإسلامية ، والمصنفات والنظريات العلمية التي وضعها علماء المسلمين ، وكان لهم فيها فضل السبق على العالم الحديث تعد جزء من الحضارة الإسلامية .
واختراع نظام إخضاع النظريات العلمية للتجريب للوصول إلى الحقائق الثابتة اليقينية في العلوم الطبيعية ، تلك الحقائق التي كانت نواة للنهضة الحديثة ، تعد جزءا من الحضارة الإسلامية .
وجهاز الحسبة الذي وضعه علماء المسلمين لمراقبة الصناعات والحرف المختلفة هذا الجهاز الذي تفرع في العصر الحديث إلى أجهزة المراقبة والمحاسبات والصحة العامة والجودة ومطابقة الموصفات والتموين وغيره يعد جزءا من الحضارة الإسلامية .
ونظم التعامل البنكي من شيكات وسندات وصكوك ، وأمور التعامل المادي التي وضعها المسلمون تعد جزءا من الحضارة الإسلامية .
وتعريب تراث الأمم السابقة والاستفادة مما جاء فيها ، ونقدها والتعليق عليها ، يمكن أن يعد جزءا من الحضارة الإسلامية .
ونظم التعامل بين الجنسيات أو العرقيات أو الديانات داخل المجتمع الإسلامي التي سنها المسلمون لتستوعب كل أفراد وطبقات المجتمع ، وتجعل منه نسيجا مترابطا تعد جزءا أصيلا من الحضارة الإسلامية .
والصناعات الحديثة التي ابتكرها المسلمون جزء من الحضارة الإسلامية .
والأصناف الزراعية التي ابتكر المسلمون صناعتها واستخدامهم لسبل الزراعة الراقية ، واختراع نظام تطعيم الفواكه ومحاولات إيجاد أصناف جديدة جزء من الحضارة الإسلامية .
والأدوية والأدوات الطبية التي صنعها المسلمون ونقلوا صناعتها للأمم الأخرى تعد جزءا من الحضارة الإسلامية .
والصحاري التي عمروها ، والمدن التي أقاموها ، والمساجد والعمائر والحصون والقلاع التي شيدوها هي جزء من الحضارة الإسلامية .
إذن فمصطلح الحضارة الإسلامية مصطلح واسع فضفاض يتسع ليشمل كل ذلك .
المصدر: موقع التاريخ
 

خواطر 06 الحلقة 27 - إحسان سنغافورة و ماليزيا

عائدة الخالدي
مجلة "المجلة" العدد 607

عدد سكانها 15 مليوناً نصفهم مسلمون 
ينحدر شعب الملايو من اقليم " يونّان" جنوب الصين حيث هاجرت منه جماعات استقر بعض منها في أرخبيل اندونيسيا، بينما استقر معظمها في سنغافورة وشبه الجزيرة التي تعرف بماليزيا.
يبلغ عدد سكان ماليزيا 15 مليوناً و67 ألف نسمة، ويستقر أكثر من 12 مليوناً منهم على الساحل الغربي، حيث تنشط التجارة، بينما يزيد عدد سكان الساحل الشرقي قليلاً عن المليونين ونصف!
تتألف تركيبة السكان من 51% من شعب الملايو، 36% صينيون، 10% هنود، 4% من أعراق مختلفة منهم بين 36،000 إلى 40،000 من شعب "اورانج ازلي"، وهم سكان ماليزيا الأصليين
(سكان الأدغال) الذين مازالوا يعيشون حياة بدائية قوامها الصيد، ويقطنون أكواخاً مبنية من جذوع الأشجار وسط الغابات الاستوائية.
الدين الرسمي للبلاد هو الإسلام، حيث يؤلف المسلمون أكثر من 505 من مجموع السكان.
وماليزيا مملكة، إلا أنها ذات برلمان ديموقراطي مميز، حيث يُنتخب سلطان جديد كل خمس سنوات.
تتألف ماليزيا من 13 ولاية لكل منها اسم محلي وآخر عربي سلامي: فولاية سلانجور مثلاً تدعى "دار الإحسان"، وهناك "دار الأمان" و"دار الرضوان" و"دار النعيم".. الخ.
أقام العرب علاقاتهم التجارية مع شعب الملايو منذ القرن السابع، وبدأ انتشار الإسلام في ماليزيا واندونيسيا في بداية القرن الثالث عشر نتيجة للتزاوج بين العرب والملايو، خاصة في المدن الساحلية الكبرى شمال سومطرة وحتى ملقا في ماليزيا.
ارتبط انتشار الإسلام ببناء مدينة ملقا التي بناها الأمير الهندوسي بارامسفارا الذي اعتنق الإسلام سنة 1414 وسمى نفسه السلطان مجات اسكندر شاه، وعندما توفي سنة 1424 كانت المناطق الواقعة تحت نفوذه قد اصبحت سلطنة إسلامية قوية، وعزز من قوتها الهنود المسلمون القادمون من غرب الهند (مملكة كالينجا)، وعندما تولى السلطان مظفّر شاه مقاليد الحكم (1446- 1458) أصبح الإسلام الدين الرسمي، وأصبحت ملقا مركزاً إسلامياً في جنوب شرق آسيا، وبالتالي ازدادت أهميتها السياسية والاقتصادية، وانتقل التجار، الذين كانوا يقصدون شمال سومطرة فيما مضى، إلى ملقا.
اعتنق الإسلام كثير من الأسر ذات النفوذ، ومن طبقات مجتمع الملايو الأخرى، وعندما توفي السلطان شاه مظفّر سنة 1458 ترك لابنه منصور شاه (1458- 1477) مملكة ذات نفوذ وقوة دينية وسياسية كبيرة.
استطاع وزير السلطنة الكبر تون بيراك ان ينشر الإسلام ما بين سنة 1456 و1498 في باقي أرجاء ماليزيا والقسم الأكبر من سومطرة، وفي هذا الوقت بدأ البرتغاليون يثبتون قدماً لهم في ملقا، ولاذ السلطان بالفرار إلى جوهور وأنشأ سلطنة جديدة، إلا أن نفوذ الإسلام القوي  في ملقا لم يترك مجالاً لدعوات التبشير لديانات أخرى، والتي قام بها البرتغاليون وغيرهم.
أما في شمال بورنيو فقد انتشر الإسلام في بداية القرن الخامس عشر بعد خبو نجم ملقا، واعتنقت الأسرة الحاكمة الإسلام سنة 1515، ومازالت في شمال بورنيو مقابر إسلامية ترجع إلى ذلك العهد. 
بالقطار من سنغافورة إلى ماليزيا 
انطلق بنا القطار من سنغافورة المدينة- الدولة عبر الأراضي الماليزية، وكانت وجهتنا مدينة ملقا على الساحل الغرب والتي تعتبر أقدم مدن ماليزيا.
كانت ملقا في أيا مجدها تتاجر بالتوابل والموز والزنك، وقد استقر فيها كثير من التجار الأجانب كالعرب والتاميل والبورميين وسكان جاوة والصينيين. ورغم أنها فقدت اليوم أهميتها السياسية والتجارية؛ إلا أن مرفأها مازال يزخر بالحركة والنشاط.
يتميز الحي القديم من المدينة بمتاجره التي يختلط فيها فن المعمار الأوروبي (البرتغالي) بالمعمار الصيني، وقد استعمرها البرتغاليون سنة 1511 وأحاطوها بحصن منيع اكتمل بناؤه سنة 1586. وقد صمد الحصن عشرين مرة ضد القوات التي حشدها سلطان ملقا الذي كان قد فر إلى جوهور. ثم بدأ الهولنديون بمزاحمة البرتغاليين منذ سنة 1606 وتمكنوا من اختراق الحصن سنة 1641 بمساعدة سلطان جوهور الذي زوّدهم بأربعين سفينة و 1500 رجل.
أما البريطانيون الذين قدموا إلى ملقا سنة 1797، فقد هدموا الحصن سنة  1807 وأصبحت آثاره المتبقية أحد معالم المدينة. ومن معالم ملقا الإسلامية مسجد هولو الذي بني سنة 1728، ويمتزج فيه فن المعمار التايلندي بفن المعمار العربي. ومسجد كلينغ المبني سنة 1748 الذي يتميز بنقوشه الخشبية الجميلة وخاصة المنبر.
في ملقا لا يجد الزائر إلا مكتباً وحيداً لسيارات الأجرة (التاكسي)، ليستقل منه سيارة وينطلق إلى طول الساحل الغربي حتى بينانغ، وهي في الحقيقة جزيرة متصلة بماليزيا بجسر بحري طوله 8،5 أمتار بني سنة 1985، وعاصمة بينانغ هي جورج تاون التي بناها البريطانيون.
كانت بينانغ (ومساحتها 85 كلم مربع) معقلاً للقراصنة وصيادي السمك قبل قدوم القبطان فرنسيس لاتيس ممثل شركة شرق الهند، والذي احتلها سنة 1786 باسم التاج البريطاني.
يغلب على الجزيرة طابع المستعمرة البريطانية، وتكتظ شوارعها بالصينيين الذين يشكلون غالبية سكانها، ورغم كثرة المعابد البوذية والهندوسية فيها؛ إلا أن فيها أيضاً عدداً من المساجد التي تتميز برشاقة وجمال بنائها، كمسجد نيغارا ومسجد بيكان في جورج تاون. 
عبر الغابات حتى الساحل الشرقي
تربط الطريق السريع، التي انتهى بناؤها سنة 1984، الساحل الغربي بالساحل الشرقي مختصرة 700 كلم من المسافة ما بين بينانغ في الغرب ومدينة كوتابارو في الشرق، حيث كانت الطريق تمر قبل ذلك عبر العاصمة كوالالمبور، وهذه الطريق التي شقت عبر الجبال والغابات الاستوائية، ودام ذلك عشر سنوات، تجعل السفر أقل مشقة، إلا أن بنائها قضى على مساحات شاسعة من الغابات الاستوائية في جبال ترتفع 2000 كلم عن سطح البحر، وتعد من أقدم وأندر الغابات الموجودة حتى الآن.
توقفنا في طريق الغابة لتناول طعام الغداء وقد نمت على حافة الطريق أزهار الأوركيد بينما تناهت إلى أسماعنا أصوات لا تعد ولا تحصى لطيور مغردة وجنادب وكائنات أخرى تعج بها الغابات الاستوائية.
عندما بنيت مدينة كوتابارو قبل 200 سنة كانت تقع على البحر مباشرة، ولكنها امتدت مع مرور الوقت 12 كلم إلى الداخل وأصبحت القوارب الصغيرة تعبر الدلتا ما بين البحر ومصب تهر كوانتان بصعوبة إلى مركز المدينة، وفي موقع المدينة الحالي ازدهرت قبل 1500 سنة حضارة مملكة لانجكاسوكا.
أهم معالم المدينة الاسلامية مسجد المحمدي بمآذنه الأربع المربّعة الشكل والتي تبدو كالأبراج، وقصر السلطان محمد الثاني الذي بني سنة 1844 ويدعى استانة بيزار.
جلنا شوارع المدينة بواسطة نقل طريفة شائعة الاستعمال في ماليزيا، وهي عبارة عن دراجة هوائية ذات مقعد خلفي يتسع لراكبين، ويبذل سائقها كل ما لديه من طاقة رئتين وساقين، وهو يحاول جاهداً شق طريقه بركابه عبر الشوارع المزدحمة!
ولوسيلة النقل هذه مثيلاتها في تايلاند، ولكنها أكثر رفاهية حيث الدراجة نارية وليست هوائية.
مدينة السلاحف المائية 
تابعنا طريقنا على طول الساحل الشرقي من شماله إلى جنوبه حتى وصلنا مدينة ترنجانو (وهو اسم الولاية أيضاً) ذات المنازل القديمة المزدانة بالنقوش الخشبي، والتي يزيد عمر معظمها عن مئة سنة. وما زالت ترنجانو مدينة يغلب عليها طابع القدم، وفيها قصر السلطان الذي بني سنة 1894 ويدعى استانة مازيان ومسجد عابدين الذي بني في بداية القرن التاسع عشر.
وإلى شواطىء ترنجانو تلجأ السلاحف البحرية كل عام لإيداع بيوضها في الرمل الناعم الدافىء، وتضع كل أنثى 900 - 1200 بيضة في حجم كرة التنس.
وقد وضعت الحكومة الماليزية قوانين لحماية السلاحف البحرية بعد ان أصبحت مهددة بسبب الناس الفضوليين الذين يتجمهرون خصيصاً لمراقبتها وهي تضع بيوضها فيصيب معظمها الفزع وتعود إلى المياه دون أن تتمكن من ذلك، كما أن بيض السلاحف مرغوب به لدى بعض الناس كنوع من الغذاء.

أقدم غابة استوائية 
إلى الجنوب من ترنجانو تقع مدينة كوانتان التي تشتهر بمسجدها الأنيق الذي تم بناؤه سنة 1964 وهو مسجد السلطان أحمد الأول. ومن كوانتان تمتد طريق إلى المحمية الطبيعية تامان نيجارا.
آثرنا متابعة الرحلة بالقطار؛ فهو أكثر متعة لما يوفره من اتصال مباشر بالناس.. وشعب الملايو شعب طيب وديع ودمث الخلق (وقد التقينا أناساً عديدين تكلموا العربية وأبدوا فرحاً صادقاً وترحيباً عندما علموا أنني من أصل سوري).
تعد تامان نيجارا - وهي الغابة الاستوائية الواقعة في غرب ماليزيا- واحدة من أقدم الغابات على وجه البسيطة على الاطلاق. إذ أن عمرها يتراوح ما بين 130 – 150 ملون سنة، وهي لم تتعرض أبداً للخراب بسبب عصر جليدي أو تغيّر مناخ أو فيضان.
تبلغ مساحة هذه المحمية الطبيعية 2481 كلم مربعاً، ويحدها من الجنوب نهر سريع التيار هو نهر سونجاي تمبليج.
وتامان نيجارا هي إحدى المحميات الطبيعية القليلة التي تنتهي الطريق قبل الوصول إليها، والسبيل الوحيد للولوج إليها هو القوارب الطويلة الواطئة التي تعبر النهر إلى داخل الغابة في رحلة تستغرق 4 – 5 ساعات بين ضفاف تتشابك فيها أغصان الأشجار بكثافة، بينما القرود الصغيرة تنتقل عليها لاهية، والجواميس تستمتع بحمامها المعتاد، والسحالي الضخمة تنسل ما بين الصخور.
وفي تامان نيجارا أشجار يصل ارتفاعها إلى 60 متراً، وأخرى تعمّر 350 سنة، ويستوطن هذه الغابة 250 نوعاً من الطيور، و200 نوع من الحيوانات منها الضخمة كالفيلة ووحيد القرن (المهدد بالانقراض) والمفترسة كالنمر، إضافة إلى 8000 نوع من الأزهار!
بعد أيا لا تُنسى في تامان نيجارا يممنا شطرنا صوب العاصمة كوالالمبور. 
مدينة شرقية في ثوب عصري

كوالامبور مدينة فتية لا يتجاوز عمرها المئة والثلاثين عاما. ففي سنة 1857 اتجهت مجموعة تتألف من 87 رجلاً بقوارب محملة بالمؤن عبر نهر كالانج بحثاً عن مناطق جديدة لاستخراج الزنك، وحطت المجموعة الرحال شرقي ما يدعى الآن كوالالمبور حيث يلتقي مصبا نهري كلانج وكومباك.. واتسعت المستوطنة حتى أصبحت مدينة قائمة بذاتها ما لبثت أن أصبحت عاصمة لماليزيا. وقد تجاوز عدد سكان كوالالمبور سنة 1984 المليون نسمة، وهي تشبه في عمارتها سنغافورة وتتبعها على طريق اللحاق بركب الحضارة الحديثة.
في المكان الذي استقرت فيه مجموعة السبعة والثمانين رجلاً شرقي كوالالمبور توجد مقبرة إسلامية تظللها البنية الحديثة الشاهقة للبنوك والمكاتب، ومسجد جامي (مسجد الجمعة) الذي بيدو في أبهى حلة وقت غروب الشمس عندما ينعكس لونها الأرجواني على قببه البيضاء، وقد امتزج في بناء هذا المسجد فن المعمار العربي بفن المعمار الهندي.
أما أكبر مسجد في كوالالمبور (بل أكبر مسجد في جنوب شرق آسيا على الاطلاق) فهو مسجد نيجارا الذي يتسع بهوه إلى 3000 مصلي، وفناؤه إلى 5000 آخرين، وقد تم بناؤه سنة 1956 وهو يجمع ما بين فن البناء الإسلامي التقليدي وفن البناء الحديث.
وكوالالمبور حافلة بالمباني الجميلة القديمة والحديثة، ما كان منها أماكن للعبادة أو متاحف أو غير ذلك.. وتزيد من جمالها كثرة حدائقها العامة، وهي حقاً مدينة حديثة إلا أنها مازالت تتمتع بسحر شرقي، خاصة في حيها القديم.
وينطلق القطار بنا إلى تايلاند لنستقل الطائرة مغادرين ماليزيا. ويبقى في جعبتنا الكثير عن هذا البلد الذي تمازجت فيه الثقافات والأعراق وتعددت الديان والمذاهب.. ولكن يبقى الطابع الإسلامي هو الغالب.
  


 التجربة السنغافورية الملهم الأول للنمور الآسيوية
البيان ـ حاتم حسين

   منذ أن تطأ قدماك أراضي هذه الجزيرة الصغيرة المساحة، تشعر أنك أمام أوركسترا مسرحية يؤدي كل فرد فيها دوره بدقة يحسده عليها كل من يأتي من بلد نام مثل بلداننا العربية. ابتداء من سائق التاكسي الذي تركب معه من المطار مرورا بطاقم الاستقبال في الفندق، وصولا إلى أكبر شخصية يمكن أن تتاح لك فرصة مقابلتها في هذا البلد، الذي يمثل معجزة اقتصادية وبيئية واجتماعية بلا أي مبالغة ـ لأنني لست ممن يجيد حلو الحديث ولا الكلام المنمق ـ فإن الجميع يعمل في صمت دون ضجيج وفقا لخطة متكاملة الأركان رضي بها وارتضاها الجميع. 

فسائق التاكسي لا يكتفي بمجرد توصيلك إلى مبتغاك وإنما قد يمنحك معلومات ربما تقضي أوقاتا طويلة كي تصل إليها دون مساعدة. فهو يعطيك فكرة مبسطة عن سر السلاسة المرورية في هذا البلد الصغير على الرغم من أنه من أعلى بلدان العالم كثافة وعلى الرغم من مساحته الصغيرة التي تقل عن 70 ألف كيلو متر مربع يسكنها نحو أربعة ملايين نسمة. أمر غريب بالنسبة لي على الأقل أن أرى هذا القدر من الثقة التي يودعها الشعب متمثلا في مختلف طوائفه من عمال وموظفين، في حكومته؛ فهذا هو ما رأيته ماثلا أمامي من خلال محادثاتي مع العدد الكبير من السائقين وأفراد الشعب الذين التقيتهم خلال فترة إقامتي في ذلك البلد. هذه الثقة وهذا الشعور بأن الساسة والمسؤولين يعملون للصالح العام مهما كان هناك من قيود يعكسان لك مدى الرخاء والازدهار الذي تنعم به هذه الجزيرة، لأنه لو لم يكن الشعب سعيدا لما وثق في الحكومة، وهو الأمر الذي لا يحتاج غيابه في عالمنا العربي إلى تفسير مني وأنا بصدد كتابة هذه السطور! إنها سنغافورة، تلك الجزيرة الصغيرة التي تحولت من مجرد دولة صغيرة تقبع في قاع العالم الثالث إلى دولة يشار إليها بالبنان بأنها نموذج يصعب تكراره بسبب الزمن القياسي الذي حققت فيه انجازاتها إلى جانب الدقة المتناهية في تحقيق هذه الانجازات والاستمرارية في النجاح تحقيقا للمثل القائل إن الوصول للقمة سهل بينما الحفاظ عليها صعب جدا.

سنغافورة المتعددة عرقيا وعقائديا، وحديثة العهد بالاستقلال، تدين بنهضتها الحديثة لشخصية زعيمها لي كوان يو، الذي أخرج سنغافورة من محنتها، باتباعه سياسات حازمة وصارمة خلقت له الكثير من المتاعب مع منظمات حقوق الإنسان، لكنه بالمقابل غرس في نفوس مواطنيه قيم الإحساس بالواجب والالتزام والجدية في العمل والتسامح الديني والعرقي بين مختلف مكونات الشعب.

وقضى على التسيب وتعاطي المخدرات الذي كان قبل ذلك متفشيا في سنغافورة بشكل مرعب، واستطاع خلال ولايته أن يحول سنغافورة من مجرد ميناء مزدحم يعج بالفقراء إلى بلد ثري وصناعي متقدم يتمتع بطرق مواصلات جيدة وشبكة سكك حديدية ممتازة،

وبفضله تحولت سنغافورة في العقود الأخيرة إلى مركز من أهم المراكز التجارية في العالم. الأساس في كل هذا النجاح السنغافوري، هو نظام الإدارة السياسية والاقتصادية المبني على الشفافية بشهادة كل المنظمات الدولية، وشهادة أهل سنغافورة أنفسهم.

لي كوان يو هو الذي قاد مسيرة هذا البلد نحو الاستقلال وترأس حكومتها لأكثر من ثلاثة عقود من عام 1959 إلى 1992. ويعرف لي على نطاق واسع بصانع معجزة سنغافورة التنموية وارتقائها من بلد نام في العالم الثالث، على حد تعبيره، إلى مصاف الأمم المتحضرة في العالم الأول.


وفي ظل قيادته، تحولت سنغافورة إلى أنشط ميناء بحري في العالم، وثالث أكبر موقع لتكرير النفط ومركز عالمي رئيسي للصناعات التحويلية والخدمات، ناهيك عن مجال الشحن، حيث لدى سنغافورة تجربة رائدة في أتمتة نظم العمل وتقديم خدمات الكترونية متطورة على مدار الساعة بالاعتماد على قاعدة متطورة للمعلومات والبيانات وكوادر بشرية على قدر كبير من المعرفة والخبرة بفضل برامج التدريب المتقدمة والمتواصلة.

وكل ذلك مكنها من انجاز الأعمال بسرعة ودقة لتصبح من اكبر الموانئ في العالم لتداول الحاويات بطاقة بلغت 18, 5 ملايين حاوية العام الماضي ومتوقع وصولها إلى 21 مليون حاوية سنويا. ونتيجة لكل هذه الإنجازات ارتفع المتوسط السنوي لدخل الفرد الحقيقي فيها من أقل من 1000 دولار أميركي لدى حصولها على الاستقلال إلى قرابة 30000 دولار اليوم.

وتمثل رحلة الصعود المذهلة لسنغافورة واحدة من معجزات القرن الماضي. فعند استقلال سنغافورة في مطلع الخمسينيات كانت عائدات القاعدة العسكرية البريطانية تمثل ثلاثة أرباع دخلها القومي مما عزز التشاؤم حول قدرة الدولة الصغيرة على النمو بمفردها والدخول إلى مصاف الدول المعترف بها.

كيف استطاعت سنغافورة تحقيق كل هذه الإنجازات؟ وكيف ضمنت هذه الدولة الاستمرارية في عالم متقلب وفي واحدة من أسخن مناطق العالم سياسيا وأكثرها تقلبا من الناحية الاقتصادية؟ الإجابة هي بناء الإنسان والاهتمام بالتعليم في المقدمة و قبل كل شيء. إنها ثورة المعرفة، فبعد الثورة الزراعية في القرن التاسع عشر وبعد الثورة الصناعية في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبعد الثورة التقنية التي قادتها أميركا، تأتي ثورة المعرفة التي تقودها دول محدودة في العالم الآن وعلى رأسها سنغافورة.


إن الأساس الذي اعتمدت عليه سنغافورة في تحقيق معجزتها هو بناء الإنسان وقبله الاعتماد على القيم الحضارية والتاريخ والتقاليد ومن ثم الانطلاق إلى الأخذ بمقومات بناء دولة حديثة لا تعرف حدودا للتطور. إن ثمة مجموعة أسس يمكن الاعتماد عليها في توضيح هذه المعجزة؛ أولها تبني نظام حازم لتحديد النسل حيث لم تتجاوز نسبة زيادة السكان 9, 1% في 1970 و2 ,1% في 1980، مما جنب البلاد كارثة الانفجار السكاني التي تمثل عائقا مخيفا للتنمية.

لكن ما إن أصبح الاقتصاد السنغافوري في حاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة المؤهلة حتى غيرت الدولة سياستها السكانية في الاتجاه المعاكس باعتماد برنامج جديد يهدف لتحفيز المواطنين لزيادة النسل، خصصت له ميزانية تقدر بـ 300 مليون دولار.

وهذا التغير في السياسة السكانية ناتج عن أن كل مولود جديد في مرحلة التخلف يعني عبئا على الاقتصاد، بينما في مرحلة النمو والتقدم ومع توفر الخدمات التعليمية والصحية اللازمة للأطفال فان ذلك يجعل منهم ثروة بشرية تدفع بدورها عجلة الاقتصاد إلى الأمام.

أما الأساس الأهم فارتكز على سياسة تعميم التعليم وتحديثه باعتماد أفضل المناهج في العالم حيث تتصدر سنغافورة الأولمبياد الدولي في امتحانات المواد العلمية، بينما لم تستطع دولة عربية واحدة أن تكون من ضمن الـ 30 دولة الأولى في آخر النتائج المنشورة للتقييم الدولي للتقدم التعليمي في مادة الرياضيات على سبيل المثال .

اشتهرت هونج كونج في ظل الحكم البريطاني بتخصيص رواتب عالية لموظفي القطاع الحكومي، تصل إلى مليون دولار كراتب سنوي لوزير المالية، مما ساعد على تحولها إلى مركز مالي عالمي. و سار باني النهضة السنغافورية الحديثة لي كوان يو على النهج نفسه، عندما اقر منذ عام 1994 نظاما يمنح رواتب لموظفي الحكومة تساوي أقصى ما يمكن أن يحصل عليه الموظف نفسه في القطاع الخاص.

على هذا الأساس، بلغ الراتب السنوي للوزير في سنغافورة 800 ألف دولار، خلال السنة الماضية. ثم جاء إعلان الحكومة في أبريل الماضي عن زيادة رواتب الوزراء بنسبة 60 % ليصل الراتب السنوي للوزير 2 ,1 مليون دولار أميركي، أي أكثر من ثلاثة أضعاف راتب الرئيس الأميركي (400 ألف دولار)، بينما يصل راتب رئيس الحكومة إلى 2 مليون دولار، أي خمسة أضعاف راتب الرئيس بوش. حفز نظام الرواتب هذا كافة الأنشطة و في مقدمتها المؤسسات التعليمية.

النظام التعليمي في سنغافورة مرتبط بالدرجة الأولى باحتياجات الإنسان في الدولة التي كانت تعاني من فقر شديد ولا تمتلك أي موارد طبيعية. لقد اعتمد لي كوان في رؤيته على الإنسان وتطوير قدراته ومهاراته كركيزة أساسية للتنمية، وبناء نظام تعليمي يلبي متطلبات مراحل التنمية وتأسيس الدولة.

لذلك تم التركيز على مهارات الاتصال واللغة الإنجليزية كلغة تجمع كافة فئات الشعب على اختلاف لغاتهم وأعراقهم وخلفياتهم الثقافية بالإضافة إلى المحافظة على لغة كل قومية موجودة ـ الأمر الذي أحدث نوعا من التوازن لمواكبة تطور سوق العمل والمهارات المطلوبة لاستيعاب الاقتصاد الجديد والنجاح فيه.

سنغافورة تمتلك الكثير ما يمكن الاستفادة منه. فمن الملاحظ أن أغلب المدارس تعتمد ثنائية اللغة في المناهج التعليمية. فاللغة الإنجليزية كانت اللغة السائدة إلى جانب اللغات الأخرى مثل الصينية التي ينتمي إليها أكثر من 80 %من الشعب السنغافوري.

ومن الأمور الأخرى الإيجابية في التجربة السنغافورية مسألة التدريب والتطوير المهني المستمر لكافة العاملين في المؤسسات التعليمية سواء في القيادات التربوية أو مدراء المدارس أو على صعيد البحوث التربوية، وكذلك مراقبة أداء المعلمين والطلبة في المدارس بناء على خطط تعتمدها المؤسسة التي تشرف على التعليم .

ومن ثم النظر في تطوير المناهج أو طرق التقويم. كما يميز سنغافورة بشكل كبير النظر المستمر في المناهج الدراسية خاصة في الرياضيات والعلوم التي تتميز بها على الصعيد العالمي، وهي مناهج متطورة قائمة على التحليل والنقد واستطاعت من خلال تعليم هاتين المادتين من تحقيق مراكز متقدمة على مستوى التعليم عالميا.

البحث الدائم على التميز، واستراتيجيتهم الواضحة المعالم وكفاحهم المتواصل من أجل تبوؤ مكانة متميزة في هذا العالم هي كلها سمات أصيلة من سمات هذا البلد. فالبقاء من وجهة نظرهم ليس للأقوى بل هو للأذكى لذلك نجد أن الحافز عندهم متوفر على الدوام.

هناك شعور دائم عند الشعب السنغافوري بأن استمراريتهم في عالم المعلومات يتطلب منهم إتقان التكنولوجيا واستعمالها بشكل مكثف، ولذا فإنهم حريصون على أن تكون سنغافورة الأولى في مجال مدارس المستقبل وهم مؤهلون أن يعيشوا هذه التجربة أكثر من غيرهم.

كما أصبحت الدولة رائدة في مجال البحوث العلمية، بما فيها التقنيات الحديثة. فلكل مليون ساكن، يوجد 4745 عاملا في الأبحاث و التطوير في سنغافورة، مقابل 4484 عاملا فقط في أميركا. واعتمدت المعجزة السنغافورية على أساس آخر لا يقل أهمية عما سبق سرده أعلاه، حيث اعتمدت على بيروقراطية صغيرة الحجم ذات كفاءة عالية (قوامها حوالي 50 ألف موظف لا أكثر) وعلى درجة كبيرة من المهنية والتعليم والثقافة.

كما تم الاعتماد على أسس وظيفية تمثل نموذجا يمكن أن يدرس، من بينها أن التعيين في مختلف الوظائف يتم عبر مناظرات عامة مفتوحة للجميع إلى جانب الشفافية وانخفاض نسبة الفساد الإداري والمالي إلى درجة أن سنغافورة تتصدر حاليا مؤشر الشفافية الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية.

ثم يأتي الجانب الإداري والمالي للعمل في سنغافورة الذي يتميز بالكفاءة العالية في الأداء وربط جميع الخطط والبرامج بتقنية المعلومات واستخداماتها في التعلم. لا يمكن كذلك عدم الإشارة إلى جهود الحفاظ على البيئة والقضاء على التلوث على الرغم من الدفق الهائل للنشاط الصناعي في البلاد.

ثم تأتي معجزة المحافظة على الموارد البيئية من خلال تقنية «نيو واتر» أو الماء الجديد، وهي التقنية التي تقوم على إعادة تدوير مياه الصرف والأمطار بطرق كيميائية معقدة للغاية كي تصبح في النهاية مياها صالحة للشرب و للاستخدام الصناعي و الزراعي. كما تحتل سنغافورة المركز الأول على قائمة أقل بلدان العالم إهدارا للمياه و ذلك بنسبة 5% فقط فاقد مياه سنويا، أي أنها تتخطى أكثر دول العالم تقدما في هذا المجال.

يمكننا القول بلا أي مبالغة إنه يمكن اختزال نجاح النمور الأسيوية بمعرفة تفاصيل التجربة السنغافورية، التي تمثل الملهم الأول لتلك النمور. الأرقام ليست الشاهد الوحيد على ذلك، إذ إن تاريخ تجارب النمور الأخرى يثبت هذا، كما هي الحال مع جارتها ماليزيا.

قلة يعرفون أن الازدهار الماليزي اللافت في كل المجالات يمثل استنساخاً للتجربة السنغافورية، والعهدة في ذلك على رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد، الذي كانت سنغافورة مطلع العلم والمجد له ولبلاده. مهاتير اقترب من التجربة السنغافورية أثناء دراسته في الجامعات السنغافورية مطلع الثمانينات، ومثلت اجتماعاته مع مسؤوليها آنذاك اللبنة الأولى لما تشهده ماليزيا اليوم من تطور مذهل.

ولم تتوقف التجربة السنغافورية عند هذا الحد، بل امتدت إلى كل دول النمور المجاورة، وتعدت إلى دول غربية كبرى سبقت حضارتها بلاد الشرق بمدة طويلة. ولأن سنغافورة نجحت في قيادة بقية النمور بنجاح في ميادين الاقتصاد العالمي، فإن القوى الاقتصادية الكبرى في العالم بدأت تنتقل من الغرب إلى الشرق، بما ينبئ بتغيير موازين القوى الاقتصادية، بل وشكل القوى السياسية وتوزيعها في العالم.

فسنغافورة مع ماليزيا، واندونيسيا وتايلاند، والهند وتايوان، والصين وكوريا الجنوبية، بدأت تصعد على حساب بريطانيا وايطاليا وفرنسا وكندا وألمانيا واليونان وإسبانيا. وكثيرون في الغرب باتوا على دراية في الوقت الحالي بقوة نمور آسيا وتأثيراتها المستقبلية المحتملة، إذ يضم اقتصاد آسيا ما يزيد على 4 مليارات شخص (60 %من سكان العالم) يعيشون في 46 دولة مختلفة.

ويُحسب لسنغافورة أنها تسير اقتصادات النمور إلى الأمام. وقد دخلت اندونيسيا وفيتنام والفيليبين على الطريق نفسه، متأثرة بالتجربة السنغافورية نفسها، فالإحصاءات تؤكد أن سنغافورة أكبر الدول المستثمرة في اندونيسيا ذات الكثافة السكانية الكبيرة.

كما يحسب لها انها المثال الأول لستة بلدان آسيوية، باتت بين أكبر الاقتصادات ال25 الأعلى في العالم، إضافة إلى أن خمسة منها حققت مكاسب هائلة على حساب الزعماء التقنيين التقليديين من الغرب، وفقاً لاتحاد التجارة الدولي.

سنغافورة أشبه بخشبة المسرح، كل يؤدي دوره حسب النص المفترض، من سائق سيارة الأجرة حتى رئيس الدولة.. بلد ينعم باقتصاد مزدهر وحياة غنية ومستقرة، وسنغافورة مثلها مثل كثير من بلدان العالم العربي، فهي جمهورية صغيرة تتكون من جزيرة سنغافورة وبعض الجزر الأخرى، وتبلغ مساحتها 61 ألفا و718 كيلومترا مربعا.

سنغافورة خليط بشري متناقض، 65%من أصول صينية، و24% من أصل ماليزي، و9% من الباكستانيين والهنود والإندونيسيين، و2% أعراق أخرى. يدينون بديانات مختلفة، مثل البوذية، والإسلام، والهندوسية، والكاثوليكية، كما يتحدثون بلغات مختلفة :اللغة الصينية، واللغة الماليزية، ويتحدث الهنود لغة التاميل، وهناك لغات محلية أخرى، لكن اللغة الإنجليزية تعتبر اللغة الوسيط بين هذه الأجناس والديانات واللغات.

لكن على الرغم من هذا التشابه الظاهر في القشرة الخارجية، هل يمكننا القول إننا يمكننا استنساخ التجربة السنغافورية في الشرق الأوسط؟ بعد زيارة قصيرة لهذا البلد أعتقد أنه باستثناء دبي التي تحظى بإعجاب كبير من قبل جميع المسؤولين السنغافوريين باعتبارها نموذجا يتكامل في عناصره مع نموذج بلدهم، فإن الفارق بين هذه الجزيرة الصغيرة منعدمة الموارد الطبيعية، و بين بلداننا العربية ذات المساحات المترامية والموارد الطبيعية هو فارق سنوات ضوئية، وعذرا على بعض المبالغة!!