الإسلام في تلمسان


لعبت مدينة تلمسان الواقعة في الغرب الجزائري العديد من الأدوار في تاريخ الإسلام مما يجعلها واحدةً من أهم المدن الإسلامية الواقعة في بلاد المغرب وهو الأمر الذي أكسبها أيضًا العديد من المميزات في مقدمتها تلاقح الحضارات وهي الصفة التي وضعت المدينة في مصاف المدن "الكوزموبوليتانية" أي المدن التي تضم أكثر من عرق وجنس مثل مدينة القاهرة والعاصمة البريطانية لندن وغيرها من المدن حول العالم


الربيع الجاف

ترجع تسمية المدينة إلى العبارة البربرية "تلي إيمسان" وهي تعني بالعربية "الربيع الجاف" وهو ما يوضح أمرين الأول أن المدينة صحراوية إذ تقع في الغرب الجزائري القريب من الصحراء الكبرى أما الأمر الثاني فهو أن المدينة ذات أصول بربرية امتزجت مع العرق العربي المسلم لتصنع الصورة الحالية للمدينة التي لا تتكون فقط من العرقين البربري والعربي بل تدخل فيها أعراق أخرى من أوروبا وهو ما يرجع إلى قدم تاريخ تأسيس المدينة والأدوار التي لعبتها في التاريخ

فتلمسان تأسست في القرن الرابع الميلادي على يد الرومان وصارت مستعمرةً رومانيةً بامتياز وتأسست فيها كنيسة رومانية كاثوليكية كبيرة قبل أن يغزوها الفنداليون القادمون من أوروبا إلى أن جاء الفتح الإسلامي في القرن الثامن الميلادي وتحديدًا في العام 708م حيث أصبحت المدينة تحت حكم المسلمين وإن ظلت مركزًا كبيرًا للمسيحيين الذين عادوا للتوافد إليها في عهد الفتح الإسلامي

وقد شهد القرن الحادي عشر الميلادي انطلاقةَ المدينة في التاريخ الإسلامي وكان ذلك في عهد دولة المرابطين حيث ظهرت المدينة كأحد أبرز المراكز التجارية وساعدها على ذلك قربها من البحر المتوسط فأصبحت واحدة من أهم الموانئ ثم ما لبثت المدينة أن أصبحت عاصمةً لمملكة تلمسان التي حكمها الملك عبد الوديد الزناتي من قبائل زناتة في العام 1282م حتى وصل الأمر في القرن الخامس عشر الميلادي إلى أن سيطرت المملكة على كل جبال أطلس في الجزائر ووصلت إلى حدود تونس، وخلال تلك الفترة تعرضت المدينة إلى عدة غارات من جانب سكان مدينة فاس بالمغرب والمسمين بـ"المرينين" وهم من نفس سلاسة قبيلة زناتة التي تشكل أصل أغلب سكان تلمسان

ولما انهارت الأندلس عادت تلمسان لتلعب دورًا كبيرًا في التاريخ الإسلامي حيث استقبلت الوافدين عليها من قرطبة وغرناطة وغيرهما من مدن الأندلس حتى إن المصادر التاريخية تقدر عدد من توافدوا على المدينة بمئات الآلاف وكان ذلك في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي

إلا أن المدينة عانت بعد ذلك من الغزو الأسباني حيث سيطر عليها الأسبان من ضمن ما سيطروا عليه من مدن بلاد المغرب إثر انهيار الأندلس وما تلاه من تلاشي الممالك في المغرب فاستغل الأسبان ذلك وبدأوا في الزحف إلى المغرب العربي كله وبدأ الأسبان في محاولة تنصير المدينة وإكسابها الطابع الكاثوليكي حتى أوقفهم العثمانيون بسيطرتهم على تلمسان في العام 1553م، ونالت المدينة نوعًا من الاستقلال النسبي عن الباب العالي العثماني في العام 1671م

ثم عادت المدينة لتسقط تحت الاستعمار من جديد في العام 1844م وكان في هذه المرة فرنسيًّا واستمر حتى الستينيات من القرن العشرين عندما نالت الجزائر كلها الاستقلال وأصبحت المدينة واحدةً من أهم مدن الجزائر وصارت عاصمةً لولاية تحمل نفس الاسم ونتيجة مرور كل تلك الأجناس عليها من بربر وعرب وأسبان وعثمانيين وفرنسيين اكتسبت المدينة تنوعًا إنسانيًّا واسعَ النطاق ظهر في الثقافة والآداب والعادات الاجتماعية في مزيج فريد لا تحوزه إلا تلمسان

مساجد وعلماء

تحفل مدينة تلمسان بالعديد من المساجد والزوايا التي مثلت منارات للعلم الإسلامي وتعلم فيها الكثيرون عبر الأجيال المختلفة ومن أهم العلوم التي يتلقاها الطلاب في تلك الزوايا العلوم القرآنية وبصفة عامة تتسم الزوايا في تلمسان بصفات معمارية فريدة جمعت بين الطابع العربي الإسلامي إلى جانب الطابع البربري الصحراوي فعلى سبيل المثال تتكون مئذنة أي مسجد أو زاوية من 3 طبقات كلها مربعة الشكل بحيث تكون الطبقة الثانية أصغر من الأولى، والثالثة أصغر من الثانية فتشكل الأولى القاعدة الكبيرة وتكون الثالثة القمة الصغيرة

وإلى جانب ذلك فإن المساجد من الداخل تتسم بوجود العديد من النوازل البلورية من الأسقف بحيث يتم تعليق دلايات زجاجية في الأسقف وتنزل إلى قلب صحن المسجد فتنعكس عليها الأضواء الوافدة من النوافذ فتعطي إضاءةً زاهيةً ساطعةً في قلب المسجد

عن المشاهد بتصرف

و الآن مع الشريط الوثائقي

الجزء الأول



الجزء الثاني